منصة أفق: صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، القانون التاريخي المنتظر، رقم 10-26، المتضمن تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر، وآثاره المباشرة وغير المباشرة التي استمرت بعد ذلك.
ويحدد هذا النص فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر من 14 جوان 1830 (تاريخ دخول قوات الاستعمار) إلى 5 جويلية 1962 (تاريخ استرجاع الجزائر لسيادتها).
ويؤكد هذا القانون، على أن تعمل الدولة الجزائرية على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار الفرنسي للجزائر ونشرها.
وتعتبر ضمن جرائم الاستعمار الفرنسي للجزائر، حسب القانون ذاته: “العدوان على الدولة الجزائرية، القتل العمد، توجيه الهجمات العسكرية عمداً ضد السكان المدنيين، الاستخدام المفرط للقوة المسلحة، استخدام الأسلحة غير التقليدية والمحرّمة دولياً، زرع الألغام، التجارب الكيميائية والتفجيرات النووية، الإعدام خارج نطاق القانون، السطو على خزينة الدولة الجزائرية، النهب المنهجي للثروات، إخضاع الجزائريين دون مساواة لقوانين استثنائية، ممارسة التعذيب والإيذاء الجسدي بشكل وحشي والتعمد المفرط بالسلامة الجسدية والصحة العقلية، التمييز العنصري والمعاملة اللاإنسانية والحرمان المتعمد من التمتع بالحقوق الأساسية، النفي إلى خارج الوطن، الترحيل القسري للسكان إلى الجبال والمناطق القاحلة ومصادرة أملاكهم، الاختطاف والإخفاء القسري للأشخاص.
وتشمل جرائم الاستعمار أيضا: “احتجاز الأشخاص خارج الأطر القانونية، تجميع جميع السكان المدنيين في محتشدات وجعلهم دروعاً بشرية، التجنيد الإجباري للخدمة في القوات المسلحة الفرنسية، إنشاء محاكم خاصة بدون ضمانات قضائية، تدمير الممتلكات أو مصادرتها، الحرمان من حرية الرأي والتعبير، الحرمان من الحق في تلقي التعليم، الحرمان من تقلد الوظائف العامة، الاعتداء على الحريات الفردية وحرمة الحياة الخاصة، الاعتداء على شرف وكرامة الأشخاص، الاغتصاب و/أو الاستعباد الجنسي، تدنيس رفات الشهداء وتحويله عن أغراضه وتحويله لصالح المصالح الاستعمارية والتطرف القسري والمواقف الهوياتية الوطنية، المساهمة عمداً في مآسٍ إنسانية وبيئية بالتفجيرات النووية، إلحاق الألقاب المشينة بالجزائريين بشكل منهجي بهدف العبث بنظام الحالة المدنية للجزائريين، الاعتداء على حرمة الموتى وتنكيل بجثثهم واحتجاز أجزاء منها”.
ويؤكد نص القانون الذي دخل رسميا حيز التطبيق أن هذه الجرائم المرتكبة ضد الشعب الجزائري “لا تسقط بالتقادم، أياً كان مرتكبوها من طرف عناصر الجيش أو الشرطة أو غيرها من الأجهزة النظامية التابعة للسلطات الاستعمارية، أو من طرف ميليشيات مسلحة أو أفراد ذوو نوايا مسلحة، بغض النظر عن دورهم بوصفهم فاعلين أصليين أو شركاء، أو بالتحريض المباشر على ارتكابها أو التآمر على ارتكابها، أو بأوامر من ممثلي السلطات الاستعمارية أو السماح بارتكابها”.
وتعد، بحسب ذات النص القانوني، كل صورة تعاون للحركى ومن في حكمهم مع السلطات الاستعمارية ضد مختلف أشكال النضال والكفاح في سبيل استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال، “جريمة خيانة”.
ويحمل هذا القانون التاريخي، الدولة الفرنسية “المسؤولية القانونية عن ماضيها الاستعماري للجزائر وما خلّفه من مآسٍ”، ويؤكد أن “الدولة الجزائرية ستسعى بكل الوسائل والآليات القانونية والقضائية لإطار يضمن الاعتراف الرسمي من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري”.
وبموجب هذه المسؤولية القانونية، تطالب الدولة الجزائرية من نظيرتها الفرنسية “تنظيف مواقع التفجيرات النووية والتلوثات الإشعاعية، أياً كان نوعها وكل موقع طالته ملوثات، وتسليم خرائط مواقع التفجيرات النووية والتجارب الكيميائية والألغام المزروعة”، بالإضافة إلى “تعويض ضحايا التفجيرات النووية والألغام المزروعة وذوي حقوقهم”.
كما تعمل الدولة الجزائرية بموجب هذا النص القانوني على “استعادة الأموال التي تم السطو عليها”. واسترجاع كافة القيم المادية والمعنوية المنهوبة والمحوّلة إلى خارج الجزائر، بما فيها الأرشيف الوطني الذي يشكل، وفق هذا القانون “حقاً خالصاً للشعب الجزائري غير قابل للتنازل، وجزءاً لا يتجزأ من ذاكرته الوطنية”. بالإضافة إلى “استرجاع رفات رموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية، لدفنها في أرض الجزائر”.
وتسعى الدولة الجزائرية من خلال قانون تجريم الاستعمار “ضمان كرامة كل الجزائريين الذين ساهموا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مواجهة الاستعمار الفرنسي أثناء المقاومة الشعبية والحركة الوطنية والثورة التحريرية، اعترافاً وتقديراً لما قدموه من تضحيات لاسترجاع السيادة الوطنية”.
العقوبات:
ولم يكتف القانون بمسألة تجريم الاستعمار، بل نص صراحة على تسليط عقوبات في سياق المبدأ الذي تمت صياغته لأجله
وعلاوة على الحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية والسياسية والعائلية والمدنية، يعاقب بالسجن من 5 إلى 10 سنوات وبغرامة من 500 ألف إلى 1 مليون دينار جزائري، كل من روج للاستعمار، عبر نشاط إعلامي أو أكاديمي أو ثقافي أو سياسي يرمي إلى إحياء ونشر الأفكار الاستعمارية أو الإشادة بها وإنكار طابعها الإجرامي.
كما يعاقب بالحبس من 3 إلى 5 سنوات وبغرامة من 100 ألف إلى 500 ألف دينار جزائري، كل من يُقدم على الفعل أو القول أو الإشارة أو الكتابة أو الرسم، أو بالنشر بصور أو فيديوهات أو تسجيلات صوتية، بهدف تبرير الاستعمار الفرنسي أو تمجيده الإشادة به. وتضاعف في حالة العود.
وتشدد هذه العقوبات، إذا ارتكبت من طرف موظف عمومي، أو ارتكبت داخل المؤسسات التربوية والعلمية أو عبر وسائل الإعلام، إلى السجن من 5 إلى 10 سنوات والغرامة من 500 ألف إلى 1 مليون دج.
ويعاقب بموجب هذا القانون، بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات، وبغرامة من 200 ألف إلى 500 ألف دينار جزائري، كل قول أو فعل أو إشارة، أو كتابة أو رسم أو نشر فيديوهات أو صور، أو تسجيلات صوتية، تهدف إلى الإشادة بدور الموظفين العموميين في تمجيد الاستعمار الفرنسي أو تبرير تعاونهم معه، أو إنكار دورهم ضد النضال والكفاح من أجل استرجاع السيادة الوطنية تحت أي ذريعة. وفي حالة العود، تضاعف العقوبة.
كما يعاقب بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات عن السب أو الشتم أو الإهانة أو التشهير الذي يرتكب ضد مجموعة من الأشخاص بسبب نضالهم وكفاحهم من أجل استرجاع السيادة الوطنية.
ويعاقب أيضا كل من استعمل باللفظ أو الكتابة أو الصورة عبر أي وسيلة أو دعامة للنشر، لقبا مشينا ذا دلالة استعمارية، من شأنه المساس بكرامة الأفراد أو الجماعات، بالحبس من سنة واحدة إلى 3 سنوات، وبغرامة من 200 ألف إلى 500 ألف دينار جزائري. وتضاعف هذه العقوبة في حالة العود.
وتعمل مؤسسات الدولة، بموجب هذا القانون، بمساهمة تنظيمات المجتمع المدني، على حفظ الذاكرة الوطنية وتثمينها وضمان نقلها إلى الأجيال المتعاقبة في إطار حماية وتعزيز الهوية التاريخية والثقافية والوطنية للشعب الجزائري.

